هناك فرق كبير بين أن يموت الإنسان قضاءً وقدرًا، وبين أن تُنتزع حياته بسبب إهمال واستهتار كان يمكن منعه.
وهدير لم تخرج في ذلك اليوم لتبحث عن الموت، بل خرجت تبحث عن لقمة عيش شريفة. كانت موجودة بجوار عربة الشاي، سواء بصفتها صاحبة العربة أو زبونة دائمة وصديقة لبائعة الشاي، تجمعها بها علاقة إنسانية بسيطة صنعتها الأيام والعمل والرزق الحلال، لكنها عادت إلى أهلها جثمانًا.
الأكثر وجعًا أن تفاصيل الواقعة تكشف أن من كان يقود المركبة وقت الحادث، سواء كان الفتى أو الفتاة، فكلاهما قاصر.
وهنا لا نتحدث عن خطأ قيادة عابر، بل عن كارثة بدأت منذ اللحظة التي سُمح فيها لطفلين بالجلوس خلف عجلة قيادة مركبة يمكن أن تتحول في ثانية إلى أداة تقتل الأبرياء.
هدير لم تكن تعرف من تسبب في المأساة، ولم تكن طرفًا في أي خلاف، كانت فقط تؤدي ما عليها، وتحلم بيوم أفضل، لكن أحلامها انتهت تحت عجلات الاستهتار، بينما تحولت أسرتها إلى ضحية جديدة تدفع ثمن غياب المسؤولية.
والأكثر إيلامًا أن المجتمع اعتاد سماع مثل هذه الأخبار، وكأن أرواح البسطاء أصبحت مجرد أرقام عابرة. يومًا بعد يوم نفقد أبرياء بسبب قيادة متهورة، أو بسبب السماح لقُصّر بفعل أشياء تفوق أعمارهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية.
قصة هدير ليست مجرد حادثة، بل سؤال يجب أن يواجه الجميع: من المسؤول عن هذه الدماء؟ هل القاصر وحده؟ أم كل من سمح له بالقيادة؟ أم كل من استهان بخطورة الأمر حتى وقعت الكارثة؟
رحلت هدير، لكنها تركت خلفها أمًا تبكي، وأسرة مكسورة القلب، وصديقة فقدت رفيقة أيامها، وحلمًا بسيطًا انتهى قبل أن يكتمل.
أما الرسالة التي تركتها قصتها، فهي أن الاستهتار لا يقتل أصحابه فقط، بل يسرق حياة أبرياء خرجوا يبحثون عن الرزق فعادوا إلى ذويهم في أكفان.
لم تكن هدير مجرد اسم في خبر، بل إنسانة بسيطة عرفت قيمة العمل الشريف، وكانت تحمل أحلامًا صغيرة كأي فتاة في عمرها، لكن الاستهتار كان أسرع من أحلامها.
رحم الله هدير، وجعل قصتها جرس إنذار قبل أن نفقد ضحية جديدة بسبب خطأ كان يمكن منعه.